معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 45
قول اللّه تعالى:
* وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) :
كان الكلام يحكي ما وجّه اللّه عزّ وجلّ لداود عليه السّلام، وجاءت هذه العبارة موجّهة لجماعة لا لفرد.
وباستطاعتنا أن نفهم من هذا الإجراء أنّ الأعمال الصّناعيّة تحتاج إلى رئيس معلّم محكم للصّنعة ومشرف عليها، وتحتاج إلى معاونين يساعدونه في العمل، ويتدرّبون عنده وبإشرافه، لتوفير الإنتاج وإتقان الصّنع.
ففي هذه العبارة توجيه للّذين يعملون معه، أن يتعاونوا فيما بينهم تعاونا تكامليا، وتوجيه لإتقان العمل، فالعمل الصّالح في الصّناعات هو العمل المتقن.
وفي هذا التّوجيه إشارة إلى أنّه ينبغي لمن يبتكر، أو يلهم، أو يعلّم صنعة من الصّناعات النّافعات، أن يجعل تحت يديه من يتعلّمها، لتكون ميراثا حضاريّا بشريّا، تتقدّم به وترتقي الحضارة الإنسانيّة ووسائلها.
أمّا من يحتكر سرّ صناعته لنفسه، فلا يجعل تحت يديه وإشرافه من يتعلّمها، فإنّ صناعته الرّاقية ومهارته تموت بموته، ثمّ يحتاج المجتمع البشريّ أن تمرّ أزمان طويلة حتّى يظهر في النّاس نظيره، فيتعلّم النّاس منه، إذا أذن لهم بأن يقتبسوا منه ما وهبه اللّه.
* .. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) : هذه العبارة تدلّ باللّزوم الفكريّ على وعد اللّه للّذين يعملون صالحا في الصّناعات بالثواب على العمل الصّالح، وبالعقاب على العمل السّيء، فإذا كانوا من أهل الإيمان وابتغاء مرضاة اللّه، أثاب اللّه الّذين يعملون صالحا منهم ثوابا آخر أعظم يوم الدّين، فوق ما يمنحهم من ثواب معجّل.