معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 46
واقتبس النّاس من داود عليه السّلام صناعة دروع الزّرد، وانتشرت بعده.
وأقول هنا: إنّ نصوصا قرآنيّة متعدّدة تدلّنا على أنّ أصول كثير من الصّناعات البشريّة، قد كانت على أيدي بعض أنبياء اللّه ورسله، بأمر من اللّه وتعليم، واقتبسها النّاس عنهم فيما بعد، ثمّ طوّر النّاس فيها وأضافوا ضمن سلّم الارتقاء الحضاريّ التراكميّ.
قول اللّه تعالى بشأن سليمان بن داود عليهما السّلام:
* وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13) :
في هذا النصّ بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ آتى سليمان من فضله ثلاث منن امتنّ بها عليه، وخصّه بها دون سائر الأنبياء والمرسلين، وهي:
(1) تسخير الرّيح له.
(2) إسالة عين النّحاس له.
(3) إكراه بعض الجنّ للعمل بأمره، فإن عصاه عاص منهم ذاق مقدارا ما من عذاب أليم على مقدار معصيته.
فالمنّة الأولى: دلّ عليها في النصّ قول اللّه تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ... (12) : وفي القراءة الأخرى: [الرّياح] .
أي: وسخّرنا لسليمان الرّيح، وقد سبق في سورة (ص/ 38 نزول) بيان أنّها تجري بأمره رخاء حيث أصاب، أي: تجري ليّنة حيث قصد وأراد، فقال تعالى فيها: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) .