معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 59
وكانوا أهل استقامة وسداد، وحكمة ورشاد.
ثمّ تحوّلوا إلى الشّرّ والإثم والفساد والإفساد.
فسلبهم اللّه عزّ وجلّ ما كانوا فيه من رفاهية ونعم وافرة، وحياة سعيدة، إلى ضنك وقلّة ومكابدة وشظف من العيش.
كان لهم في"مأرب"من أرض اليمن سدّ بين جبلين، أنشأه أجدادهم، وقد حجروا وراء هذا السّدّ مياه كثيرة من العيون والأمطار، وأتقنوا بحسب مستواهم الحضاريّ طرق الانتفاع بها لسقي مزارعهم وبساتينهم ولسائر حاجاتهم من الماء.
قيل: إنّ اتّساع مسطّح الماء وراء السّدّ يبلغ نحو فرسخ في فرسخ، الفرسخ: ثلاثة أميال، ويقدّر الميل بنحو (1609 م طولا) .
وكان لسبأ جنّتان، متقابلتان ممتدّتان، وكانت مساكنهم وقراهم بينهما، وفي كلّ جنّة منهما بساتين وحدائق كثيرة ومزارع متعدّدة.
قالوا: وقد منح اللّه عزّ وجلّ أرضهم وبلادهم مناخا طيّبا، وهواء نقيّا.
فلمّا فسدوا سلّط اللّه عزّ وجلّ على سدّهم عوامل هدم، فانهدم وتدفّق الماء الحبيس وراءه عليهم سيلا شديدا عرما لا يطاق صدّه ولا مقاومته، فأغرق ديارهم ومزارعهم وبساتينهم، وأتلف أرزاقهم، وجعل بدل جنّتيهم النّفيستين، جنّتين ذواتي أشجار رديئة سيّئة الثّمر، إلّا قليلا من أشجار السّدر.
وانتقل من انتقل من سبأ إلى مواطن شتّى، وقالوا إنّ الأوس والخزرج في المدينة من السّبئيّين الّذين هاجروا من اليمن إلى المدينة (يثرب قبل هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليها) .