معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 79
هذه الجولة يبدؤها المتحدّث بلسان المشركين.
المشرك: أنتم أيّها المسلمون قد ارتكبتم جرائم متعدّدة بحقّ قومكم، فرّقتم صفّهم، وشتمتم آلهتهم، وسفّهتم أحلامهم، وتقولون هم وآباؤهم عند اللّه من المعذّبين في النّار، أَليست هذه جرائم كبرى بحقّ قومكم عليكم، وهذا بسبب الدّين الجديد الّذي جاء به محمّد وآمنتم به.
الدّاعي إلى اللّه: إنّ المسؤوليّة عند اللّه مسؤوليّة شخصيّة، فرديّة، لا يشترك اثنان في المسؤوليّة، ما لم يشتركا في العمل الّذي اقتضى أن يسألا عنه ويحاسبا عليه. هذا قانون الحقّ في الدّنيا وفي الآخرة، في جزاء اللّه وفي جزاء العباد.
فإن كنّا قد أجرمنا في نظركم، إذ اعتدينا على حقّ قومنا كما تزعمون، فقد أنقذنا أنفسنا من جرم عظيم تجاه ربّنا، إذ آمنّا به ربّا واحدا في الوجود كلّه، وإلها واحدا في الوجود كلّه، وأسلمنا له، وأنقذنا بهذا أنفسنا من الخلود في عذاب الجحيم.
أمّا أنتم فإن كنتم ترون أنّكم حافظتم على وحدة قومكم، وحفظتم كرامة آبائكم وأجدادكم، من أن يشتموا بالسّفاهة والتزام الباطل، وآثرتم اتّباعهم على باطلهم، فإنّكم تعرّضون نفوسكم لعذاب أبديّ في نار جهنّم.
ونحن نقول لكم بعد هذا البيان التّحليليّ، مع التّلطّف معكم في العبارة، إذ لا نصفكم بالإجرام ردّا على اتّهامكم لنا بالإجرام:
أنتم لا تسألون عقلا ولا عند ربّنا عمّا أجرمنا، ونحن لا نسأل عقلا ولا عند ربّنا عمّا تعملون.
وهكذا تنتهي الجولة الحواريّة، ويبقى الداعي إلى اللّه المحاور ممسكا نفسه عن الغضب، ومحافظا على أدب الحوار المشبع بالرّفق والتّهذيب.