معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 55
علم، وسأل ربّه أن يغفر له ويرحمه بشأن سؤاله السّابق الّذي سأله من أجل ابنه.
وفي هذا النصّ تعليم لنا أن لا نسأل اللّه تغيير أحكامه العادلة، فيمن حكم عليهم بالعقاب، ولو كنّا لا نعلم السّبب الحقيقيّ لما حكم عليهم به، فهو سبحانه عليم بعباده، ولا يظلم أحدا، ودعاؤه في أمر من هذا القبيل يشعر بالاعتراض على حكمه، أو هو جهالة لا تليق بالمؤمن الذي يعلم أنّه أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين.
سابعا:
ثمّ علّمنا اللّه عزّ وجلّ أن نلجأ إليه، ونستعيذ به من أن ننزلق إلى الانغماس في كبائر الإثم، عند المواقف الّتي قد تضعف فيها مقاومة إرادتنا الرشيدة، وتبدأ فيها غشاوات الشهوات العارمات تتوارد على ساحة بصائرنا الإيمانيّة، فقصّ علينا في قصّة يوسف عليه السّلام، استعاذته بربّه حينما راودته امرأة العزيز عن نفسه، ودعاءه ربّه أن يصرف عنه كيدها، وكيد النّسوة اللّواتي أعلنت لهنّ شغفها به، وحرصها الشديد على أن يستجيب لمراودتها.
* فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) في أثناء عرض قصّته:
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) .
معاذ اللّه: أي: أعوذ باللّه معاذا، أن أعصي ربّي الّذي أحسن مكان إقامتي في مصر، وأحسن منزلتي عنده إذ آتاني الحكم والعلم.
* وقال اللّه عزّ وجلّ فيها أيضا مبيّنا دعاء يوسف لربّه، إذ رأى تواطؤ جمهرة من ذوات المكانة من نساء علية القوم، يحرّضنه على أن يستجيب لرغبة امرأة العزيز العاشقة: