معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 56
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) .
أَصْبُ إِلَيْهِنَ: أي: أمل إليهنّ ميل مرتكب للإثم.
وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ: أي: وأكن من مضيّعي الحقّ، السّفهاء العصاة الّذين يرتكبون الإثم.
يقال لغة: جهل الحقّ إذا ضيّعه. ويقال: جهل فلان جهلا وجهالة، إذا جفا وتسافه، وركب مراكب الحمقى وتصرّف بغير عقل ولا حلم، وحاد عن سواء السبيل.
وجاء في سورة (يوسف) أيضا بشأن استعاذة يوسف عليه السّلام باللّه من أن يكون مجانبا العدل، فيأخذ البريء بدل من دلّت الأمارات المادّيّة على أنّه هو المتّهم من إخوته بسرقة صواع الملك، قول اللّه عزّ وجلّ في أثناء حكايته للقصّة:
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (79) .
عبّر يوسف عليه السّلام بنون الجمع فقال: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إشارة إلى حزمه في إدارته، وقوّة سلطانه على جنوده، ومراقبته لهم، وأنّه لا يوجد في جنوده من يتجرّأ على أن يأخذ بريئا غير متّهم، بدل المتّهم الّذي وجد صواع الملك في رحله.
ثامنا:
ثمّ أعلمنا اللّه عزّ وجلّ أنّ موسى عليه السّلام استعاذ بربّه الّذي هو ربّ فرعون وجنوده من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، لمّا علم أنّ فرعون يستشير مجلس وزرائه أن يقتله.