معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 111
إنّهم يقولون بوقاحة عناديّة عجيبة: إنّ اللّه ما أرسل إليهم قبل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا مبلّغا ومعلّما وداعيا إلى ربّه وهاديا، ومبشّرا من آمن وأطاع بخلود يوم الدّين بجنّات النّعيم، ومنذرا من كفر وعصى بخلود في دار العذاب النّار يوم الدّين.
إنّهم يقولون هذا القول الوقح القائم على المكابرة، مع افتخارهم بجدّهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام، وإيمانهم بأنّهما نبيّان ورسولان، وهم يعلنون أنّهم وارثوا مناسك الحجّ عنهما.
ومعلوم أنّ إسماعيل عليه السّلام كان رسولهم، ورسولا لجميع القبائل العربيّة، ويأتيهم في كلّ عام حاجّون وحاجّات منها اتّباعا لشريعة إسماعيل عليه السّلام.
وجاء التّعليق الرّبّانيّ على هذه المقولات الكاذبات بقول اللّه عزّ وجلّ:
* وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) :
معشار الشّيء: جزء من عشرة منه، والمراد هنا التقليل.
أي: كذّب هؤلاء وكذّب الّذين كفروا من قبلهم، كعاد، وثمود، وفرعون وملئه وجنوده بالحقّ، وما بلغ ما آتينا كفّار قريش معشار ما آتينا الّذين من قبلهم، من سلطان وقوّة وأموال ومنعة وأنصار، فأرسلت لأولئك المكذّبين السّابقين بالحقّ رسلي، فكذّبوهم، ولم يعبؤوا بما آتيت رسلي من آيات بيّنات، ومعجزات عظيمات، فأهلكتهم، وقد بيّنت قصص إهلاكهم في سوابق نجوم تنزيل القرآن، فكيف كان إنكاري التّطبيقيّ لتكذيبهم؟! ألم يكن إنكارا ساحقا ماحقا؟!!
* فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟: أي: فكيف كان عقابي. إنّ إنكار القدير على المعاقبة والانتقام يدلّ على عقابه وانتقامه.