معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 114
فرادى: أي: واحدا، فواحدا، يقال لغة:"جاء القوم فرادى"أي:
جاءوا واحدا، فواحدا، وهكذا.
إنّ الاثنين يتفكّران غالبا دون أن يكون لأحدهما هيمنة ضاغطة على الآخر، إذا كانا متعادلين ندّين. والفرد يتفكّر في نفسه بحرّيّة أكثر، إلّا أنّ الاثنين أقدر على الإحاطة بكلّ جوانب القضيّة المطروحة للتّفكير، لأنّ كلّا منهما يجتهد بأن تكون مشاركته في التّفكير تأتي باحتمالات وجوانب لم تخطر ببال صاحبه.
* .. ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ..: هذه هي القضيّة الّتي تدعوهم للتّفكّر فيها بعد تأنّ وتأمّل، ليتوصّلوا بالتّفكير الحرّ البعيد عن الضّواغط الاجتماعيّة، فيعلموا ويؤمنوا أنّه: ما بصاحبهم النبيّ الرّسول الّذي يدعوهم إلى الحقّ والخير وسعادة دنياهم وأخراهم من جنون ما، كما يزعم قادتهم وأئمتهم، بل هو ذو عقل كامل، ورشد عظيم، وهو حريص على نجاة الناس من عذاب ربّهم، وظفرهم بجنّات النّعيم يوم الدّين.
* ... إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) :
أي: وقل لهم ما هو إلّا مبلّغ رسالات ربّه لكم، وناصح لكم أمين، ومعلّم وداع إلى اللّه بصدق، ومبشّر من آمن وأطاع بسعادة أبديّة في جنّات النعيم، ومنذر من كفر وعصى بعذاب شديد في دار العذاب يوم الدّين، جهنّم وبئس المصير.
وهو بالنّسبة إليكم وقد أبيتم أن تستجيبوا لدعوته، وهو يدعوكم إلى صراط اللّه المستقيم عدّة سنين، نذير لكم بين يدي عذاب شديد، سوف تعذّبونه، إذا لم تحموا نفوسكم منه بأن تؤمنوا وتعملوا صالحا.
وعلّم اللّه عزّ وجلّ رسوله أن يكرّر لهم تجرّده من المصلحة