معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 115
الشّخصيّة عندهم، ويقنعهم بأنّه لا يبتغي منهم أجرا ما على مجاهدته لهم من أجل خيرهم، وإنّما يبتغي ثوابه عند ربّه، فقال اللّه تعالى له:
* قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) :
الأجر: عوض نافع على عمل ما، سواء أكان مالا أم غير مال، كملك أو سلطان، أو شيء آخر من محابّ النّفوس.
* قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ..: أي: كنتم تتّهمونني بأنّني سألتكم أجرا ما أقلّ أجر، على مجاهدتي لهدايتكم وسعادتكم ونجاتكم من عذاب ربّكم، فإنّني أملّككم إيّاه. فإن كنتم تتّهمونني بطلب مال، فإنّني أقول لكم حافظوا على أموالكم لا تعطوني منها شيئا، فهي لكم، وإن كنتم تتّهمونني بطلب ملك أو سلطان، فإنّني أقول لكم حافظوا على سلطانكم ومكاناتكم الاجتماعيّة، وإنّني لا أنافسكم عليها، ولا أسعى لانتزاعها منكم، فهي لكم بحسب مواقعكم في قومكم.
وأأكّد لكم وأكرّر أنّني ما سألتكم من أجر أيّ أجر.
* .. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ..: أي: ما أجري إلّا على اللّه ربّي، فلا تظنّوا أنّي لا أطلب أجرا على تأدية رسالتي من أحد، بل أطلب أجري من اللّه الّذي اصطفاني نبيّا ورسولا، وكلّفني أن أبلّغ رسالاته داعيا هاديا مجاهدا صابرا، محتسبا أجري عنده جلّ جلاله وعظم سلطانه.
* ... وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) : أي: واللّه عليم بحالي علما شاملا، ظاهرا وباطنا، حتّى خواطر فكري، وخلجات قلبي ونفسي، ورغباتي ونيّاتي، إذ هو حاضر بصفات علمه وقدرته وسمعه وبصره وخلقه، مستعل على كلّ شيء من غاية أجزاء الذّرّة، حتّى غاية أكبر كائن في الكون كلّه.