معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 122
* وَقالُوا آمَنَّا بِهِ جاء في السّوابق من السّورة أنّهم كانوا يكذّبون بعذاب النّار، وأنّهم كانوا يكذّبون بآيات اللّه البيّنات، ويقولون عن القرآن هو إفك مفترى، وسحر مبين، وأنّهم كفروا بالحقّ لمّا جاءهم، وأنّهم كذّبوا الرّسول ووصفوه بأنّه ضالّ عن سبيل الهدى، والجامع لكلّ ذلك أنّهم كفروا بالحقّ لمّا جاءهم، فأجمع ما يعاد عليه الضّمير في قولهم يوم القيامة: آمَنَّا بِهِ هو الحقّ الّذي جاءهم، الشّامل للقرآن، وللرّسول، ولأنباء يوم الدّين، ولكلّ ما جاء به الرّسول وبلّغهم إيّاه.
إنّ إعلانهم يوم القيامة إيمانهم بالحقّ الّذي كان قد جاءهم على لسان رسول ربّهم، لا ينفعهم شيئا، لأنّه إيمان عن شهود، وكان المطلوب منهم أن يؤمنوا بالغيب، إلّا أنّهم ربّما توهّموا أنّ هذا الإيمان قد ينفعهم بتخفيف شيء من عذاب اللّه عنهم، ولن يخفّف عنهم هذا الإيمان يوم الدّين شيئا من العذاب، فقد انتهت بموتهم مدّة الابتلاء، وجاء يوم الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
* .. وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) ؟!:
"أنّى"استفهاميّة بمعنى"كيف"هنا، والمراد بهذا الاستفهام النّفي، أي: لن يكون لهم تحقيق أقلّ مقدار ممّا يشتهون من نجاة من عذاب اللّه.
* التَّناوُشُ و [التّناؤش] في القراءة الأخرى. هو تناول المطلوب من بعد. وأكثر ما ورد هذا اللّفظ في محاولة الإبل الشّرب من الحوض الّذي يبعد ماؤه عن مدّ أعناقها، حتّى تصل إلى الماء أوائل مشافرها فتمتصّ الماء شيئا فشيئا بكلفة ومجاهدة.
قال غيلان بن حريث يصف ناقته:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا
أي: تمتصّ ماء الحوض من علو، بأوائل مشافرها حتّى تجمع في بطنها ما تقطع به أوساط الفلا الّتي لا ماء فيها.