معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 162
وما جاء هنا قد جاء تذكيرا بما سبق بيانه وتفصيل فضل اللّه به على النّاس.
وجاء هنا استعمال فعل:"أنزل"بدل فعل"خلق"للدّلالة على أنّ كلّ ما يصدر عن اللّه من خلق وتصاريف هو إنزال، لأنّه تبارك وتعالى العليّ الأعلى، وكلّ خلق يخلقه يكون من دونه، فهو إنزال من لدنه بالخلق والتّكوين.
قول اللّه تعالى خطابا للنّاس أيضا:
* ... يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ...
* يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ:
دلّ الفعل المضارع في يَخْلُقُكُمْ على عمليّات الخلق الرّبّانيّ المتتابع، الّذي يكتشف علماء الأجنّة منه الأطوار الّتي يظهر فيها تغيّر مشهود في الجنين، وهو في الحقيقة خلق متتابع.
وجاءت عبارة: خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ لبيان أنّ كلّ تغيّر في أحوال الجنين مهما قلّ ولو كان نموّا، هو خلق جديد، من بعد خلق سابق له، ومنه نستفيد أنّ عمليّات الخلق الرّبّانيّ متتابعة في الكائنات، مع أصغر الوحدات الزّمنيّة، ولكلّ قسم لا يقبل عقلا القسمة من ذرّات هذا الكون كلّه.
* ... فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ..:
وقد أبان علماء الأجنّة هذه الظّلمات الثّلاث مرسومة بالصّور، ومحدّدة بالأسماء، وأنقل هنا من كتاب"خلق الإنسان بين الطّبّ والقرآن"للدّكتور:"محمّد علي البار":
"إذا دقّقنا النّظر في الأغشية المحيطة بالجنين وجدناها ثلاثة:"