معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 182
اشتملت هذه الآيات على أربعة أوامر، أمر اللّه عزّ وجلّ بها رسوله ما يجب عليه أن يقوله للنّاس، ليعلمهم بها أنّه مثلهم بالنّسبة إلى التّكاليف الدّينية الموجّهة لهم من اللّه ربّ العالمين.
الأمر الأوّل: دلّ عليه قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. (11)
العبادة: الخضوع والطّاعة والقيام بما يرضي المعبود، وترك ما لا يرضيه، ورأس العبادة الدّعاء بالغيب، لتحقيق مطالب الدّنيا والآخرة.
والعبادة لا تكون إلّا للرّبّ جلّ جلاله، فهو وحده الّذي يستحقّها، لأنّه هو وحده الرّبّ الخالق المالك.
والإخلاص للّه في الدين: هو جعل أعمال الدّين خالصة صافية منقّاة من الشّرك والرّياء ومن شوائبهما.
يقال لغة:"أخلص الشّيء"أي: صفّاه ونقّاه من شوائبه.
الدّين: الطّاعة والانقياد، يقال:"دان نفسه"أي: أذلّها وطوّعها.
ويأتي الدّين بمعنى الجزاء، ومنه"يوم الدين".
والدّين للّه: الطّاعة والتّعبّد له مع الخضوع والذّلّ والإذعان له بربوبيّته وسلطانه جلّ جلاله، والإذعان لحقّه في الإلهيّة الّتي لا يشاركه فيها شريك.
فالمعنى: قل يا أيّها الرّسول معلنا للنّاس جميعا: إنّي مأمور من قبل ربّي الّذي أرسلني بالرّسالة الخاتمة لرسالاته للنّاس، بأن أعبد اللّه وحده مخلصا له ديني، جاعلا كلّ أعمالي التّعبّديّة خالصة له، صافية منقّاة من الشّرك والرّياء ومن شوائبهما.
فأنا مطالب بالإخلاص للّه في عبادتي مثلما أنّكم مطالبون به، وليس لي إعفاء خاصّ من هذا التكليف باعتباري نبيّا ورسولا.