معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 189
بياناته، وقول حملة دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أمّته، ويستمعون أقوال المشركين، وزخرف أقوال الكفرة المضلّلين من شياطين الإنس، فيوازنون بين الأقوال، وقد تغرّهم أحيانا أقوال المضلّين الزّخرفيّة، فيجدون في أصباغها وألوانها وما فيها من صناعة توهم بأنّها حقّ، بعض الحسن في بعض القضايا الّتي هي من الفروع لا من الأصول، لكنّهم إذا قارنوها بما جاء في دين اللّه، ونظروا إليها بمنظار الحقّ والتّجربة وجدوا أنّ ما جاء في بيانات دين اللّه أحسن منها.
فهم لا يرفضون استماع الأقوال ابتداء، بل يستمعون إليها، فينبذون ما يظهر لهم أنّه باطل، وهي الأصول الّتي يبني عليها الكافرون أبنيتهم الفكريّة التّنظيميّة لشؤون الحياة، ثمّ بالبحث والتّأمّل يرون أنّ أحكام دين اللّه لعباده هي أحسن الأحكام وأفضلها، لمراعاة حقوق النّاس، وإقامة العدل، وتنظيم حياتهم تنظيما فيه طيب عيشهم ومرضاة ربّهم.
ومن هنا يتحقّق فيهم أنّهم يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أي:
فينبذون ما يرونه باطلا، ويتّبعون ما يرونه هو الأحسن، وعندئذ يجدون أنفسهم ملتزمين دين اللّه التزاما كاملا في أصوله الّتي هي الحقّ، وفي فروعه الّتي هي الأحسن.
وبناء على ما سبق قال اللّه تعالى بشأنهم:
* .. أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18) :
أي: أولئك رفيعو المنزلة والمكانة العالية عند ربّهم حكم اللّه عزّ وجلّ بهدايتهم، لاستخدامهم عقولهم فيما خلقت له، فأدركوا الحقّ والخير والأحسن فاتّبعوه، وأعانهم على متابعة خطواتهم في صراط الهداية، إذ لم تخدعهم زخارف أقوال المضلّين، وأولئك أيضا هم ألوا الألباب، أي: هم أصحاب العقول الحصيفة النظيفة.