معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 202
القول، وليبيّن أنّه من نوع الحديث، والواقع على توالي القرون أبان أنّ القرآن المجيد أحسن الحديث كلّه.
الحديث: هو الكلام الهادئ الّذي يتكلّم به المحدّث في مجلس متكافئ بينه وبين من يستمع إليه، فلا يشعر المستمع بأنّه في موقع الأدنى الّذي يتلقّى من الأعلى، بل يشعر بأنّهما على سواء، في التّلقّي والعطاء.
بخلاف عمل الخطيب أو المعلّم، أو المدرّس، أو المحاضر، أو الآمر النّاهي، أو الشّاعر، أو القصّاص، أو نحوهم.
ومعلوم أنّ الحديث أكثر قبولا وتأثيرا في النفوس البشرية، إذ لا يواجه عقبة صادّة في الغالب من الأحوال، ولا يواجه نفور مستكبر، يرفض تلقّي العلم من معلّم.
ونستفيد من وصف اللّه عزّ وجلّ كتابه بأنّه من نوع الحديث إرشادا للدّعاة إلى اللّه، والناصحين المرشدين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، بأن يكونوا محدّثين في بياناتهم، ونصحهم، وإرشادهم.
ولهذا أمر اللّه عزّ وجلّ رسوله في سورة (الضّحى/ 11 نزول) بقوله له:
* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) : ونعمة اللّه هي ما أنزل عليه من دين.
القضيّة الثالثة: أن يدوّنه المؤمنون في كتاب مصون من التحريف، والتغيير، والتّبديل، كالّذي حصل في كتب أهل الكتاب من تحريفات وزيادة ونقصان.
هذه القضية نستفيدها من قوله تعالى: كِتابًا في الآية، إذ لم ينزل من عند اللّه كتابا في صحف أو ألواح مكتوبة، بل نزل قولا تلقّاه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقلبه وسمعه، وكان يأمر بكتابة ما أنزل اللّه عليه منه، وعرف