معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 204
"ثنى الشّيء يثنيه"أي: ردّ بعضه على بعض، فالقماش الّذي يثنى بعضه على بعض بصفة متوالية، تسمّى طيّاته"مثاني".
وقد ذكر المفسّرون وجوها متعدّدة لتفسير كون القرآن مثاني، وهي تعتمد على ما في لفظ"مثاني"من معنى التّكرير، كتكرير آيات"الفاتحة"في ركعات الصّلوات.
والّذي ظهر لي من خلال تدبّري الطّويل لآيات كثيرات من القرآن المجيد، أنّ المراد بوصف القرآن بأنّه"مثاني"أنّ له سطوحا ظاهرة، وهي ما يدرك من الكلمات المقروءات في أعلى كل مثناة منه وأن فيه مطويّات في باطن الثّنيات هي محذوفات لفظا، ويمكن إدراكها ذهنا، عن طريق اللّوازم الفكريّة، أو الدّلالات اللّفظيّة، كحرف جرّ، أو حرف عطف، أو تعدية الفعل لغير ما يتعدّى به لغة، إلى غير ذلك من أمور كثيرة تعتمد عليها المحاذيف، ومنها العطف على محذوف بما يسمّى الفاء الفصيحة، وقد رأيت أنّ كلّ حروف العطف قد تعطف في القرآن على محذوف مطوي. وكملء فراغات القصص القرآنيّة بعضها من بعض، إذ تبدو في الظّاهر أنّها مكرّرات، وهي في الحقيقة متكاملات فيما بينها، يتداخل بعضها في بعض، فيكمّل بعضها الظّاهر هنا، النّصّ الآخر، إذ يملأ فراغ مطويّ فيه، ومنها الحذف من الأوائل لدلالة ما في الأواخر، والحذف من الأواخر لدلالة ما في الأوائل من النّصّ.
وكلّ ذلك هو من الإعجاز الإيجازيّ في القرآن المجيد.
وأفضل تعبير عن هذه الصّفة في القرآن الكريم، أن يوصف بأنّه"مثاني"تظهر في السّطوح المقروءة من مثانيه جمل وكلمات، وتوجد مطويّات داخل المثاني تستخرج بالتّأمّل الدّقيق، وبالاستنباط العميق، ضمن ضوابط الفكر، وقواعد الاستعمال اللّغويّ وأماراته، إمّا عن طريق الحقيقة، أو عن طريق المجاز.