معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 66
ممارس السّحر، مع تلاوة ألفاظ خاصّة تستدعي القرناء.
ولمّا كانت هذه الأنفس الشرّيرة الخبيثة من الجنّ لا تقارن إلّا أمثالها من النفوس البشريّة، فإنّ وسائل التّقرّب إليها واستخدامها إنّما تكون بألفاظ وأفعال مليئة بالكفريّات غالبا، وفيها الكثير من النجاسات والقذارات.
ومن يستخدم شيئا من الشركيّات أو الكفريّات الأخرى في أعمال السّحر، فهو كافر حلال الدّم.
ولهذا قال الإمام مالك: الساحر كافر، حيثما وجد قتل ولا يستتاب، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام أحمد، وطائفة من الصحابة والتابعين.
أمّا جمهور الفقهاء فإنّهم يقولون بكفره، إذا استخدم في سحره بعض المكفّرات، أمّا إذا لم يستخدم شيئا من المكفّرات القوليّة أو الفعليّة فلا يكفر، لكنّه يكون قد ارتكب كبيرة من كبائر الإثم العظمى، الّتي شدّد الإسلام في تحريمها، ولو لم يستخدم السّحر في الإضرار بأحد من النّاس، لأنّه مسلك خطر قلّما ينجو من فتنته أحد تعلّمه ومارسه.
ونحن نؤمن بأنّ الإضرار بالسّحر لا يتمّ إلّا بالتمكين والتسخير والإذن من اللّه عزّ وجلّ، وبقضاء اللّه وقدره، وجعل الأسباب تؤثّر في تحقيق مسبّباتها، كسائر الأسباب الظّاهرة غير الخفيّة.
إنّ الأسباب الظّاهرة والأسباب الخفيّة سواء في أنّها لا تؤثّر إلّا بقضاء اللّه وقدره، تمكينا، وتسخيرا، وإذنا، ولو كان المستخدم لها مذنبا عاصيا للّه عزّ وجلّ، كقتل من يقتل بغير حق عمدا وعدوانا، بسيف، أو بسلاح ناريّ، أو بدسّ سمّ، أو بتوجيه شعاع قاتل لا تدركه الأبصار، أو باستخدام قوى أخرى خفيّة، كالنفوس الشرّيرة من الجنّ.
ومن هنا ندرك أنّ تخصيص استعاذة خاصّة بربّ الفلق، من شرّ النّفّاثات في العقد، بعد التّعميم بآيتين سابقتين، فيه معنى الالتجاء الخاصّ