معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 220
أمّا الحياة الأخرى بعد البعث فهي حياة جزاء، وهي حياة خلود وبقاء، لمن كانوا في الحياة الدّنيا موضوعين موضع الابتلاء، ولذرّيّاتهم الّذين ماتوا قبل أن يبلغوا سنّ التّكليف، ولحيّ شاء اللّه أن يجعله خالدا.
وأمّا الأحياء الّتي لم يجعلها اللّه ممتحنة في الحياة الدّنيا بالإيمان بالغيب، وبالإسلام والطّاعة، فإنّ اللّه يبعثها ليقيم عدله بينها في التّظالم، ثمّ يميتها، ويقول لها كوني ترابا.
وتوكيد الجملة لوحظ فيه صرف أوهام بعض المؤمنين عن توهّم أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتعرّض للموت.
وقد جاء هذا البيان في هذه الآية توطئة للحديث عن البعث الّذي جاء في الآية التّالية:
قول اللّه تعالى خطابا للنّاس جميعا بعد أن أبان أنّهم ميّتون:
* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) :
* تَخْتَصِمُونَ: أي: يخاصم بعضكم بعضا، وهذا الاختصام يشمل بعمومه ما بين الخصماء من حقوق كان قد ظلم بعضهم فيها بعضا، في الأموال، أو الأنفس، أو الأعراض، أو غير ذلك.
ويشمل أيضا التّخاصم بين الّذين كانوا في الدّنيا أتباعا ضالّين، وبين قادتهم وأئمّتهم، إذ كانوا يطيعونهم ويأتمرون بأوامرهم، وينفّذون مكايدهم، وهو ما جاء بيانه في الآية (33) من سورة (سبأ/ 58 نزول) وقد سبق تدبّرها.
جاء التّعبير بحرف العطف (ثمّ) للدّلالة على الفاصل الزّمنيّ المتراخي، بين الموت وبين المثول في محكمة العدل والفصل الرّبّانيّة يوم الدّين، بعد البعث.