معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 331
فيناديهم خزنة جهنّم من الملائكة قائلين لهم في النّداء من بعيد:
* لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ:
أي: لبغض اللّه الشّديد لكم، حين كنتم في الحياة الدّنيا تدعون إلى الإيمان بالحقّ الّذي بلّغكم إيّاه رسل ربّكم، وظهرت لكم براهين أنّه حقّ من ربّكم الممدّ لكم دواما بعطاءات ربوبيّته، فكنتم تكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن وأنتم في العذاب نادمون متحسّرون.
دلّ الفعل المضارع في إِذْ تُدْعَوْنَ وفي فَتَكْفُرُونَ على تكرير دعوتهم إلى الإيمان في الحياة الدّنيا آنا فآنا، وتكرير مقابلة ذلك بكفرهم آنا فآنا.
وفي التّعبير بالكفر معنى ستر الحقّ الّذي تبلّغوه، وستر أدلّته وبراهينه بوسائلهم الإيهاميّة، وحيلهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وزخرف أقوالهم.
وقد دلّ هذا النّداء على أنّ ما يعانونه من عذاب في جهنّم أقلّ ممّا يستحقّون على كفرهم العناديّ، إذ كان مقت اللّه لهم بسبب كفرهم أكبر من مقتهم أنفسهم وهم خالدون في العذاب، ولو جازاهم اللّه بحسب مقته لهم، لكان عذابهم أشدّ ممّا هم فيه، وهذا من واسع رحمته جلّ جلاله.
وبعد أن يسمع المعذّبون في جهنّم بسبب كفرهم هذا النداء من خزنتها، ويدركوا منه أن اللّه قضى عليهم بعذاب دون ما يستحقّون، يتجدّد طمعهم، بأن يسألوا ربّهم متذلّلين مستفهمين:
* قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) :
الموت يكون بانعدام اتّصال الرّوح بالنّفس، وأوّل تكوين للنّفس