معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 83
فقال اللّه عزّ وجلّ:
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) .
لَمْ يَلِدْ في هذا ردّ لقول النّصارى: إنّ اللّه أب لعيسى ابن مريم، وردّ لقول بعض اليهود: إنّ اللّه أب للعزير، وردّ لقول كلّ من له مقالة مشابهة، فاللّه سبحانه وتعالى لَمْ يَلِدْ.
وَلَمْ يُولَدْ وفي هذا ردّ لقول النّصارى: إنّ عيسى ابن مريم ابن للّه. فهو شريك للّه في ربوبيّة مشتقّة من أبيه، ولقول بعض اليهود:
العزير ابن اللّه، فهو شريك للّه في ربوبيّة مشتقّة من أبيه، وردّ لقول كلّ من له مقالة مشابهة، فاللّه لم يولد.
وبما أنّ اللّه عزّ وجلّ أحد متفرّد في ذاته وفي صفاته، فليس له كفوا أحد.
الكفء والكفؤ: المماثل والمساوي في الذّات أو في الصّفات، واللّه عزّ وجلّ لا يكافئه أحد، لا في ذاته، ولا في صفاته، إذ هو أحد في ذاته، وأحد في صفاته، جلّ جلاله.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) : نفي الكون في الماضي بالنّسبة إلى اللّه عزّ وجلّ هو نفي للشيء المنفيّ عنه دواما، في الماضي والحاضر والمستقبل، من الأزل إلى الأبد. والدّليل العقليّ يثبت أنّ يثبت أنّ انتفاء وجود المكافيء للّه في الماضي، يستلزم عقلا انتفاء وجوده دواما وإلى الأبد، لأنّ المكافئ للأزلي لا بدّ أن يكون أزليّا، أمّا الحادث فهو خلق من خلقه، ولا يمكن عقلا أن يكون المخلوق مكافئا للخالق بحال من الأحوال.
يضاف إلى هذا أنّ فعل"كان"إذا اقترن بإثبات صفة أزليّة للّه عزّ وجلّ، أو نفي صفة لا تليق به، فإنّ دلالته على الزّمن الماضي تلغى، ويبقى الفعل دالّا، على الكينونة المجرّدة عن كلّ زمن.