معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 383
الملازمون لها لا يفارقونها، ولا يفارقهم ولا يخفّف عنهم عذابها.
دلّ تعريف طرفي الإسناد في هذه الجملة، على قصر ملازمة النّار يوم القيامة على المسرفين في معاصيهم من دركة الكفر، والشّرك منه؛ لأنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وبعد أن أنهى مؤمن آل فرعون بيان الكلّيات الكبرى من دعوته لهم، وحذّرهم وأنذرهم، قال لهم ما جاء بيانه في الآية التّالية:
* فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44) :
يظهر أنّ مؤمن آل فرعون، كان عنده خبر من موسى عليه السّلام، بأنّ اللّه مهلك فرعون وكفّار آله وجنودهم، فقال لهم مستعملا الحرف الدّالّ على المستقبل في الحياة الدّنيا، وهو حرف"السين": فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ: أي: فستذكرون في الدّنيا قبل الآخرة، ما أقول لكم بتكرار ناصحا وهاديا، وذلك حينما ينزل بكم عذاب من اللّه يستأصلكم به مهلكا لكم.
وشعر بأنّ كبراء آله قد غضبوا منه أشدّ الغضب، لإيمانه بموسى وهارون وما جاءا به عن اللّه، وأنّه إذا لم يعصمه اللّه منهم عذّبوه وقتلوه، فقال: .. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ..:
التّفويض: جعل التّصرّف كلّه تحت إرادة من حصل التّفويض إليه.
يقال لغة:"فوّض فلان أمره إلى فلان"أي: جعل له التّصرّف فيه.
فتفويض الأمر إلى اللّه نظير التّوكّل على اللّه، ويدخل في معنى هذا التّفويض سؤال اللّه الحماية والحفظ من مكر الأعداء وكيدهم، وما يدبّرون من شرّ أو ضرّ أو أذى.