معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 397
عرضت عليهم آية من آيات اللّه، دالّة على أنّها ظاهرة من ظواهر قدرة اللّه وعلمه وحكمته، أو بيان حكيم من بياناته، جادلوا بالباطل لرفض ما دلّت عليه آية اللّه، وأعلنوا كفرهم بها، واستخدموا ما وهبهم اللّه من ذكاء في صناعة أدلّة زخرفيّة، وحجج وهميّة، قد يغترّ بها سفهاء العقول، والجهلة الّذين لا علم عندهم، فيتّبعونهم منجذبين إليهم بزينات الأهواء والشّهوات وزخرف الحياة الدّنيا.
* إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أي: يخاصمون في دلالات آيات اللّه بالباطل، ليوهموا أنّها غير ذات دلالة على ما تدلّ عليه حقّا، وليدافعوا عن آرائهم ومذاهبهم الباطلة، ومفهوماتهم المناقضة والمضادّة لما دلّت عليه آيات اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
* .. بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ .. أي: بغير برهان أتاهم من مقاييس عقليّة سليمة، أو أدلّة حسّيّة أو علميّة صحيحة، أو خبر عن اللّه صادق.
السّلطان: هنا الحجّة والبرهان.
* .. إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ .."إن"حرف نفي بمعنى"ما". أي: ما يوجد في صدورهم حقيقة علميّة يمكن أن يعتذروا بها لعدم قبولهم دلالات آيات اللّه، ما يوجد في صدورهم إلّا كبر منتفخ، أوهمهم أنّهم أكبر من أن يكونوا مخلوقين للّه عزّ وجلّ، وعبيدا من عباده، وأنّ عليهم أن يؤمنوا به، وأن يسلموا وأن يركعوا له ويسجدوا، خاضعين متضرّعين ضعفاء أذلّاء.
إنّ استكبارهم أوهمهم أنّهم أصحاب مكان رفيع في هذا الوجود، وهذا المكان العالي ليسوا في حقيقة واقعهم ببالغيه.
إنّهم قد يتوهّمون أنفسهم فوق ذروة الجبل، وهم في الحضيض. وقد يتوهّمون أنفسهم في السّماء، وهم في بئر عميق جدا من باطن الأرض.