معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 399
عقولهم، وجهلهم بأنّ خريطة نفوسهم موجودة بكاملها في جزء صغير في داخل الخليّة الأولى الّتي كوّنها اللّه في بدء خلق كلّ واحد من النّاس، وبنى بعد ذلك أجسادهم عليها وضمن صفات مخطّطها.
هذا الانحطاط الفكريّ لديهم يلائمه أن يقال في معالجتهم: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أي: ومع أنّ السّماوات والأرض أكبر من خلق النّاس فهي كلّها مسخّرة للّه، تسير طائعة لما يجري للّه فيها بأمره. فما للإنسان المستكبر يتعالى ويتعاظم عن طاعة اللّه، وعبادته بالرّكوع والسّجود والتّذلّل له، ويجادل في آياته دون أن تكون لديه حجّة صحيحة يعتذر بها عند ربّه؛ وكلّ ذرّة فيه واقعة تحت تصاريف قضاء اللّه وقدره، لكن منحت له حرّيّة الإرادة لاختباره، فاستكبر، وتمرّد على ربّه، فكفر به، وصار يجادل في آيات اللّه بالباطل؟!.
هذا الفهم ينسجم مع خطاب اللّه عزّ وجلّ للمستكبر في سورة (الإسراء/ 50) :
* وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (37) :
وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة (الإسراء) .
فالمستكبر يشعر في نفسه العظمة الّتي تنحو منحى الاستكبار الجسديّ، فحقّره اللّه بأنّ الجبال أطول منه، وأنّ الأرض أصلب منه.
وأبان هنا في سورة (غافر) للمستكبر الكافر الجاحد أنّ السّماوات والأرض في منظار الكبر الجسدي المادّيّ أكبر من خلق الناس كلّهم، فلا تتكبّروا أيّها الكافرون الجاحدون.
* .. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) : أي: ولكنّ أكثر النّاس لا يرغبون في أن يعلموا حقائق الأمور، الّتي تقتضي كفّهم عن اتّباع أهوائهم وشهواتهم الجانحة المتجاوزة حدود الحقّ وصراط اللّه المستقيم، الّذي أمر