معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 402
مقطوع به؛ لأنّه جزء من خطّة التكوين الرّبّانية الّتي تمّ بها تقدير اللّه وقضاؤه المبرم.
ولا شكّ في إتيانها لدى المؤمنين أولي الألباب الّذين ينظرون ويتفكّرون في حكمة اللّه، وعلمه المحيط بكلّ شيء، وقدرته على ما يشاء ويختار، ويرون أحوال النّاس الّذين يوجد فيهم المؤمن والكافر، والتّقيّ والفاجر، والظّالم والمظلوم، والمحسن والمسيء، دون أن ينال كلّ واحد منهم في الحياة الدّنيا جزاءه، وهذا يدلّهم عقلا على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وضع في خطّة التكوين حياة أخرى يكون فيها الجزاء، ولا يمكن أن يكون قد خلق النّاس بهذا الوضع الّذي هم فيه عبثا، فالبعث لحياة أخرى يتحقّق فيها العدل والفضل أمر لا ريب فيه.
* .. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) : أي: ولكنّ أكثر النّاس لا يرغبون في أن يؤمنوا بالحقّ العاجل والآجل، لأنّهم سلّموا إراداتهم لأهوائهم، وشهواتهم، ومطالب نفوسهم الجانحة، المجافية لصراط اللّه المستقيم، ولأنّهم لم يهن عليهم أن يجتازوا عقبات نفوسهم ولا أن يقتحموها طمعا بالثّواب الآجل عند اللّه جلّ جلاله.
قول اللّه تعالى:
* وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60) :
أي: واسمعوا يا أيّها النّاس ما قال ربّكم، قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي: إذا أردتم دليلا يثبت لكم أنّي موجود حقّ غائب عن حواسّكم، فادعوني صادقين في عبادتي بالدّعاء، ولا تشركوا بي أحدا، أستجب لكم، ضمن حدود الأدعية الّتي يدعو بها الدّاعون آلهتهم، أمّا آلهتكم فإنّها لا تستجيب لكم بشيء، فما كان له وجود منها فهو عاجز عن إجابتكم