معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 430
فما أغنى عنهم: أي: فما صرف عنهم.
المعنى: أبقوا في بلدهم، ولم يسيروا مسافرين في رحلاتهم، أم كانوا عميانا، فلم ينظروا بأعينهم بلاد المهلكين السّابقين. الّذين دمّر اللّه بلدانهم وأبقى منها آثارا يعتبر بها أولو الألباب، وكان ذلك عاقبة كفرهم بالحقّ، وتكذيبهم رسل ربّهم بما بلّغوهم عنه؟؟!
استفهام فيه معنى التّلويم والتّثريب الشديد؛ لأنّهم في رحلاتهم التجاريّة، كانوا يرون آثار المهلكين السّابقين، من كفّار الأمم السّالفة الّتي أمضت رحلات امتحانها من قبلهم، ومنهم من كانوا في أزمانهم أشدّ من أهل مكّة إبّان التّنزيل قوّة، وأشدّ آثارا عمرانيّة في الأرض، فدمّر اللّه بلادهم، وعذّبهم، وأهلكهم إهلاك استئصال.
وقد سبق في الآية (21) من هذه السّورة نظير هذه الآية، مع اختلاف بين [أولم] وأَ فَلَمْ ومع اختلاف في التعقيب:
ففي الآية (21) : .. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21) .
وفي الآية (82) : .. فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) :
أي: فما صرف عنهم عقاب اللّه وعذابه وإهلاكه لهم، ما كانوا يكسبون ويجمعون من أموال وقوى وحصون، وملاجئ إليها عند الحاجة يلجؤون.
فبين الآيتين تكامل ظاهر.
قول اللّه تعالى مبيّنا سبب تعذيب وإهلاك المهلكين السّابقين، ومبيّنا لجوءهم إلى الإيمان حين لم يكن الإيمان ينفعهم:
* فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) :