معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 431
الفاء في فَلَمَّا أرى أنّها فصيحة تعطف على محذوف فيما أرى، أي: كان هؤلاء المهلكون السّابقون خارجين عن دين اللّه الحقّ وعن صراطه المستقيم، فلمّا جاءتهم رسلهم الّذين أرسلهم اللّه إليهم بالبيّنات الواضحات من الآيات المنزّلات، والمعجزات الشّاهدات على صدق الرّسل فيما يبلّغون عن ربّهم، لم يقبلوا العلم الرّبّانيّ الّذي جاءهم به رسل اللّه، فرحين بما عندهم من علم ينفعهم في أمور مآكلهم ومشاربهم ومساكنهم ومناكحهم وأمنهم، وسائر مصالحهم من دنياهم، ورفضوا الاستجابة لما يتعلّق بأمور آخرتهم، ومصيرهم الأبديّ.
واستمرّوا كذلك حتّى استحقّوا عقاب اللّه بتعذيبهم، وإهلاكهم إهلاك استئصال، وكانوا يستهزئون بإنذارات رسلهم بعذاب اللّه لهم وإهلاكهم إهلاك استئصال، ولمّا حان وقت عقابهم بحكمة اللّه وقضائه، حاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
حاق بهم: أي: أصابهم وأحاط بهم، يقال لغة:"حاق به العذاب، يحيق، حيقا، وحيوقا، وحيقانا"أي: أصابه، وأحاط به، ولزمه ووجب عليه.
قول اللّه تعالى متابعا بيان حالهم حين أحاطت به وسائل تعذيبهم وإهلاكهم، ورأوها مقبلة إليهم:
* فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85) :
البأس: العذاب الشّديد. والشّدّة في الحرب.
السّنّة: الطّريقة المتّبعة.
أي: فلمّا رأوا إقبال وسائل عذابنا الشّديد لهم، وأيقنوا أنّهم