معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 461
وكون ما جاء في القرآن قد اشتمل على أوامر ونواهي وتكاليف تقتضيها ربوبيّة اللّه عزّ وجلّ، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل من ربّ العالمين.
وكون ما جاء في القرآن يشتمل على إعجاز لا يستطيع غير اللّه العزيز القويّ الغالب تقديمه، مع اشتماله على ما فيه رحمة للعباد، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز الرّحيم.
وكون ما جاء في القرآن يشتمل على معارف وعلوم غيبيّة لا يعلمها إلّا اللّه تبارك وتعالى، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز العليم.
وكون ما جاء في القرآن يشتمل على بيانات حكيمة، وتكاليف حكيمة ملائمة لأحوال العباد، يناسبه أن يذكر أنّه تنزيل العزيز الحكيم.
ونظرا إلى القرآن كلّه ما نزل منه سابقا، وما سينزل منه حتّى آخر سورة، قال اللّه تعالى:
* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) :
أي: هذا البيان الّذي تلي قسم منه، وسينزل على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم سائره، هو كِتابٌ تجب كتابته وجعل صفحاته كتابا مدوّنا محفوظا من التغيير والتّبديل والزّيادة والنّقص، وهذا ما تحقّق بفعل الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والخيرة من أصحابه قادة المؤمنين المسلمين.
لفظ: كِتابٌ بدل من مبتدأ الجملة السّابقة أو من خبرها.
* فُصِّلَتْ آياتُهُ: أي: بيّنات آياته بيانا وافيا بالمقصود بها.
التّفصيل: التّبيين، وكشف حدود الأجزاء المتلاصقة في الظّاهر، بإظهار ما بينها من انفصال، ولو لم يكن مرئيّا، لتمييز بعضها عن بعض في الإدراك الفكريّ.
إنّ تفصيل البيان يمنع اختلاط الأفكار وتداخل بعضها ببعض،