معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 464
اشتملت هذه الآية على أربع مقالات قالها أئمّة الكفر والشّرك في مكّة، أو قالها بعضهم وأقرّها سائرهم، لتيئيس الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من متابعة دعوته لهم، وتلاوة ما ينزل عليه من كتاب اللّه عليهم.
المقولة الأولى: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ:
أرادوا بالقلوب مراكز الإدراك والتّفكير في أدمغتهم، فالقلب يطلق عند العرب على وسط كلّ شيء ولبّه ومحضه، والعمق المدرك المفكّر المستقبل للمعرفة في الإنسان، هو ما في دماغ رأسه من أجهزة تدرك ما يصل إليها من الصّور والمعاني والأقوال، وتحلّل فيها وتفكّر، وتحفظ في الذّاكرة، إلى غير ذلك من أعمال فكريّة.
وقد عبّروا عن عدم وصول ما يدعوهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليه، بآيات القرآن وببيانات من عنده، بأنّ قلوبهم (و هي مراكز الإدراك والتفكير في عمقهم) محاطة في أكنّة تمنع وصول دعوته إليها، فهي محجوبة، عنها.
أي: فهي في شبه أكنّة مانعة من وصول دعوتك إليها. إنّ رفضهم لدعوته في المراحل الأولى من مسيرته الدّعويّة فيهم، جعل مراكز الإدراك في داخلهم تحجب بحجب نفسيّة كثيفة خاصّة بمنع وصول دعوة الحقّ الرّبّانيّة إليها، مع مرور الزّمن، حتّى قبيل نزول سورة (فصّلت) .
[من] في مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ معمول لمحذوف من السّهل ملاحظته وتقديره، وهو صفة للفظ أَكِنَّةٍ تقديره: في أكنّة مانعة من أن يصل إليها ما تدعونا إليه من بيان ربّانيّ أو بيان منك.
المقولة الثانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ: أي:
والأداة النّاقلة للصّوت وهي آذاننا مصابة بالصّمم أو بما هو قريب من الصّمم بالنّسبة إلى ما تدعونا إليه، فنحن لا نسمع بأدوات سمعنا أصوات دعوتك لنا.