معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 467
في هذه العبارة قصر بأداة القصر"إنّما"وهو من قصر موصوف على صفة قصرا إضافيّا، أي: إن كنتم لا تقبلون نبيّا ولا رسولا إلّا إذا كانت له طبيعة غير طبيعة البشر، فما أنا إلّا بشر مثلكم، آكل ممّا تأكلون منه، وأشرب ممّا تشربون، وأتزوّج النّساء، ويجري عليّ نظير ما يجري على سائر البشر.
* يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ: أي: واختار اللّه أن يصطفيني فيجعلني نبيّا ورسولا، فهو- جلّ جلاله وعظم سلطانه- يوحي إليّ بتتابع أنّه لا إله لكم أيّها النّاس إلّا إله واحد هو ربّكم المهيمن عليكم دواما بصفات ربوبيّته، وهو وحده صاحب الحقّ في أن تعبدوه، ولا تشركوا بعبادته أحدا، ولا شيئا.
في عبارة أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ قصر بأداة القصر"أنّما"وهو من قصر صفة على موصوف، وهو قصر صفة الإلهيّة على إله معبود واحد، ومعلوم من سوابق التّنزيل أنّ هذا الإله المعبود الواحد هو ربّ العالمين، فهو بربوبيّته لعباده، له وحده حقّ أن يعبدوه ولا يشركوا بعبادته أحدا ولا شيئا.
هذه حقيقة قامت عليها براهين العقل، وجاء بالدّعوة إليها والأمر بها جميع أنبياء اللّه ورسله في تاريخ البشريّة.
وهل في اصطفاء اللّه عبدا من عباده بالنّبوّة والرّسالة منافاة للعقل، أو منافاة للحكمة الرّبّانيّة، أو فيه نسبة شيء إلى اللّه لا يليق بربوبيّته لعباده، وقد سبق أن اصطفى جميع أنبيائه ورسله عليهم السّلام إلى البشر من البشر أنفسهم، لعلمه بأهليّتهم لهذا الاصطفاء.
القضية الثانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في التّعليم:
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ: