معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 472
الأنداد: جمع"النّدّ"، وهو المثل والنّظير والكفء.
والاستفهام الدّاخل على الجملة المؤكّدة ب"إنّ واللام المزحلقة"استفهام فيه معنى التّعجّب من فريق من المعالجين، ومعنى التوبيخ لفريق آخر منهم؛ لأنّهم أدركوا الحقّ وعاندوه مصرّين على باطلهم من الشّرك والكفر باللّه الّذي خلق الأرض، وخلق كلّ كائن في الكون من دونه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
أي: عجب لأمركم وأنتم أهل الرّأي والعقل والقدرة على إدراك الحقّ، كيف تجعلون للّه الرّبّ خالق كلّ شيء في الكون أمثالا ونظراء وأكفاء في ربوبيّته وإلهيّته فتدعونهم وتعبدونهم من دونه، وهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرّا.
والعالمون منكم بهذه الحقيقة يستحقّون التّوبيخ والتثريب، لمجافاتهم الحقّ الّذي يعلمونه، اتّباعا لأهوائهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء.
وجاء في هذا التعليم أنّ اللّه خلق الأرض بتكوينها الأساسيّ في يومين، أي: في حقبتين زمنيّتين اللّه يعلم مقدارهما؛ لأنّ لفظ يوم قد جاء في القرآن مستعملا للدّلالة على أزمان متفاوتة تفاوتا عظيما، حتّى الآخرة الّتي لا نهاية لزمنها أطلق عليها أنّها يوم الدّين.
وجاء في القرآن بيان أنّ الأرض والسّماوات كانتا رتقا مجتمعتين ففتقهما اللّه، فيدلّ هذا على أنّ الكون كان بخلق اللّه كتلة غازيّة ملتهبة، ففصل اللّه عزّ وجلّ كتلة الأرض، وجعلها خلال حقبتين من الزمان تبرد من جهة أعلاها، ويبقى باطنها سائلا ناريّا نافعا، ودليلا يدلّ على ما كانت عليه، ولمّا برد أعلاها صار صخورا وترابا ومعادن ونحو ذلك، مهيّأ للإنبات والإقامة والسّكنى والانتفاع بكنوزها من قبل النّاس وأعمالهم ومبانيهم ومصانعهم ومبتكراتهم.