معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 492
وتعلمون دلالات كلماته، وجعلكم في الحياة الدّنيا ممتحنين ومكلّفين، وملاحقين بالحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، ورتّب في خطّته أن تموتوا بعد رحلة امتحانه لكم، ثمّ تبعثوا يوم القيامة لإكمال الغاية من امتحانكم، ومتى رجعتم إلى الحياة بعد انفصالها عن نفوسكم، فإلى اللّه ترجعون ليحاسبكم ويفصل القضاء بينكم، ويجازيكم على ما أسلفتم في رحلة امتحانكم.
وقد كنتم تحت المراقبة التّامّة المستمرّة، فربّكم محيط بكلّ ما كنتم تعملون، وكان عليكم مراقبون من الملائكة يسجلون أقوالكم وأعمالكم الظّاهرة والباطنة، الجسديّة والنفسيّة، وكانت خلايا أجسادكم وجوارحكم وجلودكم تسجّل عليكم كلّ ما يصدر عنكم، وهي حين تستنطق تشهد عليكم، وكنتم تستخفون بمعاصيكم وجرائمكم وآثامكم بعيدين عن أعين النّاس، ولكن ما كنتم تستطيعون أن تستتروا لئلا يراكم ربّكم ومراقبوكم من ملائكته.
* وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ...:
أي: وما كنتم تستطيعون أن تستتروا بأعمالكم الإجراميّة الكفريّة عن سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، فهي أجزاء من ذواتكم، وما كنتم تتوقّعون أن تسجّل فيها أعمالكم، وأن ينطقها ربّكم شاهدات عليكم.
وتقدير العبارة للدّلالة على هذه المطويّات يمكن أن يكون: وما كنتم تستطيعون أن تستتروا حذر أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ لأنّها جزء من ذواتكم الكاسبة، ولأنّكم ما كنتم تتوقّعون أن تكون شاهدة عليكم عند ربّكم بما هو مسجّل فيها، لحظة فلحظة طوال رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا.