معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 494
إنّهم حينئذ بين أمرين:
إمّا أن يتلقّوا قضاء اللّه بشأنهم صابرين صامتين، لعلمهم بأنّه لا تبديل لحكم اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، وهذا الأمر يكون من فريق منهم، دلّ عليه قول اللّه تعالى:
* فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ..: أي: فإن يسكتوا يائسين نادمين صابرين، فالنّار مكان إقامتهم واستقرارهم الأبديّ.
المثوى: مكان الإقامة والاستقرار. يقال لغة:"ثوى بالمكان يثوي، ثواء، وثويّا"أي: أقام به واستقرّ.
وإمّا أن يعلنوا توبتهم وندمهم ويسألوا اللّه أن يغفر لهم كفريّاتهم وجرائمهم، وهذا الأمر قد يكون من فريق منهم، ولكن لا يقبل ذلك، فهم في حياة الجزاء لا في حياة الابتلاء، وقد دلّ على هذا الأمر قول اللّه تعالى في الآية:
* .. وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) : أي: وإن يطلبوا سائلين اللّه أن يرفع العتب والملام عنهم، ويرفع عنهم الجزاء الّذي استحقّوه بذنوبهم وجرائمهم، فما هم من الّذين يقبل اللّه أن يرفع عنهم الملام والمؤاخذة؛ لأنّهم أعداء اللّه وكانوا في حياة امتحانهم كافرين به، ويكذّبون رسله عليهم السّلام، ويكذّبون بما تبلّغوه عنه.
يقال لغة:"استعتب فلان فلانا"أي: استرضاه ليرفع الملام عنه.
ويقال:"أعتب فلان فلانا"أي: قبل رفع الملام والمؤاخذة والعقاب عنه.
قول اللّه تعالى متابعا بيانه عن أعدائه، بشأن بعض أمورهم إذ كانوا في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا:
* وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25) :