معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 504
جاء في الآية (6) من هذه السّورة تكليف الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو المشركين إلى التوحيد والاستقامة إلى اللّه وإلى الاستغفار.
وجاء في هذه الآيات من (30 - 32) بيان يتعلّق بالمؤمنين الموحّدين المستقيمين على صراط اللّه.
* إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ..:
أي: إنّ الّذين أعلنوا بألسنتهم متحدّين الطّغاة من أئمة الكفر، أنّ اللّه ربّهم لا شريك له في ربوبيّته، فلا شريك له في إلهيّته، وكان هذا الإعلان تعبيرا صادقا يطابق ما في قلوبهم من إيمان راسخ، بدليل استقامتهم في حياتهم بعد ذلك على صراط اللّه، مطبّقين مقتضيات إيمانهم بأنّه لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له.
وقد سبق بيان الاستقامة لدى تدبّر الآية (6) من هذه السورة، ومعلوم أنّ الاستقامة على سلوك صراط اللّه من أشقّ الأعمال الدّالّة على الالتزام بمقتضيات الإيمان الصحيح الصّادق.
ودلّ حرف"ثمّ"على توالي استقامتهم في كدحهم عبر حياتهم، إلى الغاية الّتي يلاقون فيها حساب اللّه وفصل قضائه بشأنهم.
* .. تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ:
يخبرنا اللّه عزّ وجلّ بأنّ الملائكة المكلّفين أن يثبّتوا المؤمنين الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا، تتنزّل عليهم آنا فآنا كلّما تعرّضوا لمقلقات مزعجات بالمخاوف والمحزنات، فتلقي بما يشبه حديث النّفس في قلوبهم معاني تفسيرها أن لا تخافوا من مكاره تنزل بكم؛ لأنّ المكاره الّتي يختارها ربّكم لكم هي خير لكم، في عاجل أمركم وآجله، ولا تحزنوا على شيء فاتكم من محابّكم؛ لأنّ اللّه ربّكم قد اختار لكم ما هو خير لكم وأفضل، جزاء إيمانكم واستقامتكم.