معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 521
فالأمر في عبارة: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ أمر تهديد ووعيد.
والخبر في عبارة: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبر فيه كناية عن عقاب اللّه لهم بعذاب شديد، بسبب إلحادهم في آياته، كفرا بها وابتغاء فتنة النّاس عن دين اللّه الحقّ، بتحريفاتهم وتأويلاتهم الباطلات الفاسدات.
قول اللّه تعالى بشأن الّذين كفروا بالقرآن لمّا جاءهم بلاغا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) :
* بِالذِّكْرِ:
أي: بالقرآن، سمّاه اللّه عزّ وجلّ ذكرا، للإشعار بأنّ المطلوب أن يتلقّاه الموضوعون في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، وأن يتدبّروه، وأن يختزنوا معانيه في ذاكراتهم، وأن يذكروا منها عند كلّ مناسبة ما يتعلّق بها، وليعملوا بما يوجب القرآن العمل به، ويعتقدوا ما يوجب اعتقاده، ويهتدوا بما دلّ عليه من هداية.
* وَإِنَّهُ لَكِتابٌ أي: وإنّه لمطلوب من المؤمنين المسلمين أن يدوّنوه في كتاب محفوظ، محميّ من التحريف، والتّبديل، والزّيادة، والنّقص.
* عَزِيزٌ أي: قويّ غالب ببيانه وحججه وبراهينه، وكريم ذو كرامة عظمى لما فيه من حقائق وهداية عظيمة.
فالعزيز في اللّغة القويّ الغالب. وذو الكرامة الّذي يمجّد بها.
* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ..:
أي: لا يأتيه ما يبطل شيئا فيه من حقائق سابقة لتنزيله، ولا من حقائق مكتشفة أو كائنة بعد تنزيله، فشمل هذا التعبير الأزمان كلّها، وتدخل لحظة التّنزيل في عموم ما قبلها أو عموم ما بعدها عرفا، وهو أيضا محفوظ بحفظ اللّه من التغيير والتّبديل والزيادة والنقص، فهذا من الباطل.