معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 522
* .. تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) : أي: ومن صفات القرآن أنّه كلام اللّه ربّ العالمين، ومنزّل على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من لدنه.
ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ حكيما كان كلامه المنزّل من لدنه حكيما، فالقرآن من صفاته أنّه حكيم.
الحكيم: هو الّذي يضع الأشياء في مواضعها، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة، لما يعطي أحسن النّتائج وأفضلها.
ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ حميدا، أي: محمودا له كلّ الحمد، كان كلامه المنزّل من لدنه حميدا أيضا، إذ لا ينزّل الحميد في كلّ صفاته إلّا كلاما حميدا.
المعنى: إنّ الّذين كفروا بالقرآن الّذي يجب على متبلّغيه أن يجعلوه ذكرا لهم عند كلّ مناسبة داعية، حينما جاءهم بلاغا عن ربّهم على لسان رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، والحال أنّه لكتاب ربّانيّ قويّ غالب بحججه وبراهينه، وذو كرامة عظيمة، ولا يأتيه ما يبطل شيئا فيه من حقائق سابقة لتنزيله، ولا من حقائق أخرى مكتشفة أو كائنة بعد تنزيله، وهو حكيم ومحمود بكلّ صفاته، لهم عذاب في نار جهنّم كالّذين يكفرون بإلحادهم في آيات ربّهم، الذين جاء في الآية (40) الحديث عنهم.
لم يذكر في الآيتين (41) و (42) خبر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بل جاء مطويّا اكتفاء بما جاء بشأن الّذين كفروا بإلحادهم في آيات اللّه، نظرا إلى أنّ الكافرين سواء في الحكم عليهم في عذاب النّار، وإن اختلفت دركاتهم فيها بحسب جرائم كلّ منهم.
ويدرك هذا المطويّ بالقرينة أو بالقياس، أو بدخول الجميع تحت عموم الكافرين، مع اقتران الفريقين في درس واحد، وهذا من أساليب القرآن الإيجازيّة البديعة.