معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 524
بحججه وبراهينه، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّه تنزيل من حكيم حميد.
فكان من الحكمة أن يبيّن اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ موقف أئمّة الكفر والشّرك من قومه، مماثل لموقف أمثالهم من الأمم السّابقة تجاه رسلهم عليهم السّلام، وتجاه ما أنزل اللّه على رسلهم عليهم السّلام، تشابهت قلوبهم، وتشابه كفرهم، وتشابهت أقوالهم، فقال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
* ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ... (43) :
في هذا البيان يهوّن اللّه عزّ وجلّ على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، من وقع أقوال الّذين كفروا على قلبه ونفسه، بشأن القرآن، وبشأن تكذيبه واتّهامه بالافتراء على ربّه، بأنّ الّذين كفروا من الأمم السّابقة قد قالوا لرسل ربّهم لهم مثل ما يقال لك من كفّار قومك، فلا تبتئس بما يقوله الكافرون، ولا تكترث له، ولا تبال به.
وأطمع اللّه عزّ وجلّ الّذين يتوبون ويؤمنون بالمغفرة، وأنذر الّذين يصرّون على كفرهم بعقاب أليم، فقال تعالى في الشّطر الثاني من الآية خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
* ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ... (43) :
أي: ما زال بعض قومك لم يصلوا إلى دركة اليأس من توبتهم وإيمانهم، وإنّ ربّك لذو مغفرة لهؤلاء، فليس من الحكمة تعجيل العقاب الشّامل لهم جميعا.
لوحظ في توكيد الجملة ب (إنّ- والجملة الاسميّة- واللّام المزحلقة) حال الّذين لم يصلوا إلى دركة الميؤوس من إيمانهم، إطماعا لهم بأن يتوبوا ويؤمنوا.