معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 525
وأمّا الميؤوس من توبتهم، فلهم عقاب أليم سيأتيهم لا محالة. إنّ ربّك لذو عقاب أليم، أي: شديد الإيلام لمن يستحقّه من عباده.
ومتابعة لما جاء في صدر السّورة من أنّ هذا البيان الرّبّانيّ، كتاب فصّلت آياته قرآنا عربيّا لقوم يعلمون، جاء في الآية (44) بيان حكمة اللّه في إنزاله عربيّا لقوم عرب أقحاح لديهم الاستعداد لتلقّيه وفهم كثير من دلالات آياته، وحمله وتبليغه للنّاس من غير العرب، فقال تعالى:
* وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ... ؟:
أي: لقد أنزلناه عربيّا لقوم عرب أقحاح، فمنحناهم بهذا الإنزال شرف هذا الذّكر العظيم المنزّل بلغتهم، فقابلوا هذه المنّة العظيمة بالجحود والكفران، وبالأقوال الباطلة الّتي صدرت عنهم، فماذا كانوا يقولون لو جعلناه كتابا أعجميّا يقرأ بلسان ما غير اللّسان العربي، إنّهم كانوا يقولون: هلّا أنزل كتابا عربيا مفصّل الآيات، واضح الدّلالات، وكانوا يقولون أيضا: أكتاب أعجميّ ومبلّغ به عربيّ لا يعرف اللّغة الّتي يخاطب بها؟!!. إنّ هذا مناف للحكمة.
إنّه أنزل بلغة العرب، وهم أعلم النّاس ببلاغته وأفانين إعجازه البيانيّ، فقال الكافرون به من العرب الأقحاح: هو سحر، هو شعر، هو أساطير الأوّلين، هو كتاب مفترى على اللّه، من صنع البشر.
كيف يريدون أن ينزل اللّه لهم كتابا، وهم لا يقبلونه أعجميّا، ولم يقبلوه عربيّا؟؟.
هذا البيان يدمغهم بالجحود، والكفران، والعناد، والتزام الباطل والإصرار عليه.
فعلّم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم: