معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 100
يعمل أو يؤدّى في الوقت المعين، ولمّا كان تنزيل القرآن مجزءا على أوقات، أطلق على كلّ جزء ينزّل منه في وقت ما نجما.
وقد أقسم اللّه عزّ وجلّ بالنّجم إذا هوى ليشير إلى أنّ سرعات الأشياء لدى انتقالها وتحرّكها تختلف اختلافا عظيما. وأنّ اللّه لا يعجزه إنزال الوحي من السماء بلمح البصر، والعروج برسوله إلى السماوات العلا في ساعة من ليل أو نهار. فمن الجهل قياس المشركين سرعة نزول أمين الوحي جبريل عليه السّلام من السماوات إلى الأرض، ليوحي إلى محمّد بن عبد اللّه ما أمره اللّه بأن يوحي به إليه، على ما يدركون من سرعات، ومن الجهل قياس سرعة عروج جبريل عليه السّلام بمحمّد إلى السماء السابعة فسدرة المنتهى، على ما يدركون من سرعات يملكون استخدامها، ولو كانوا يعلمون ما نعلم اليوم من سرعات الصوت والضوء لقلّ استغرابهم.
واختير القسم بالنّجم عند هويّه السّريع دون القسم بالبرق، لأنّ الجزء الذي كان ينزّل من القرآن يسمّى نجما، وبهذا تحقّق النجانس بين اللّفظين، والتشابه بين النّزولين، مع التّنبيه على أنّ السّرعات متفاضلات في الوجود، ضمن أنظمة الخلق الرّبّانيّة العجيبة، فللصّوت سرعة. وللضوء سرعة فائقة، وللملائكة سرعات، وللأرواح سرعات، واللّه يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد.
إذا هوى: أي: إذا سقط منقضّا من علو إلى سفل. ولفظة"إذا"هنا دالّة على مجرّد الزّمان، دون أن يكون ظرفا لما يستقبل من الزمن، إذ المراد: والنجم حين هويّه.
فمعنى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) أقسم بقدرتي على إخضاع النّجم عند هويّه لنظام من السّرعة الشديدة تشهدون مظهرها بأبصاركم، أي: فلا تقيسوا أمور ربّكم بمقاييس ما أنتم عليه من حدود.