معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 574
وفيها بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ لو شاء أن يجعل النّاس أمّة واحدة لسلبهم إراداتهم الحرّة، ولجعلهم مجبورين على الإيمان والإسلام والطّاعة، ولكنّه- جلّ جلاله- شاء أن يضعهم موضع الامتحان، فلم يجعلهم مجبورين، فمن آمن وأسلم وأطاع بإرادته الحرّة أدخله اللّه- عزّ وجلّ- في رحمته بمشيئته تفضلا منه عليه، ومن ظلم فكفر وتمرّد وعصى، بإرادته الحرّة، ومات على كفره، جعله اللّه عزّ وجلّ خالدا في دار العذاب النّار، ولم يجد يوم القيامة وليّا ولا نصيرا ينجيه من عذاب اللّه.
وفيها تعليم من اللّه عزّ وجلّ لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته، أن يعالج المشركين الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء، ببيان أنّ اللّه هو وحده الوليّ في الوجود كلّه، وأنّه يحيي الموتى، وأنّه على كلّ شيء قدير، وأنّهم مبعوثون إلى يوم الدّين، وأنّ ما اختلفوا فيه من شيء، فحكمه إلى اللّه يوم القيامة، لا يشاركه فيه أحد مطلقا.
وعلّم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول للنّاس: ذلكم اللّه ربّي، عليه توكّلت، وإليه أنيب.
وعلّم اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبيّن للنّاس في دعوته طائفة من ظاهرات خلق اللّه في كونه، وأنّه ليس كمثله شيء، وأنّ كلّ خزائن السّماوات والأرض ومفاتيحها ملكه، وهي تحت سلطانه وتصرّفه، إذ هي خلق من خلقه، ومشمولة دواما بربوبيّته، وأنّه يمنح عباده من خزائنه ما يشاء بحكمته، وأنّه بكلّ شيء عليم.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
* وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) :