معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 579
إليك يا محمّد، وكان يوحى نظيره إلى الأنبياء والرّسل من قبلك، أوحينا إليك قرآنا عربيّا، لتبلّغ وتبيّن وتبشّر وتنذر أهل مكّة أمّ القرى العرب، ومن حول مكّة من النّاس أجمعين، عربا وغير عرب، إمّا بالمباشرة، وإمّا عن طريق الّذين يؤمنون بك، ويحملون رسالة تبليغ دين اللّه من أمّتك العرب وغير العرب، ما تتابعت الأيّام حتّى آخر الأجيال المتتابعة في الأرض.
ومضمون إنذارك في رسالتك يشمل إنذارين:
الأوّل: أن تنذر الكافرين عقاب اللّه المعجّل في الدّنيا، إذا اقتضت حكمة اللّه أن يعجّل لهم شيئا من العقاب.
الثّاني: أن تنذر الكافرين والعصاة عقاب اللّه وعذابه الذي سوف يكون في الآخرة يوم القيامة يوم الجمع، بعد أن يحاسبهم، ويفصل القضاء بشأنهم، إذ يكون فريق الكافرين في السّعير، أمّا فريق المؤمنين فيكون في الجنّة منعّما بنعيمها.
وعبارة الإنذارين هي فيما أرى على الوجه التالي: لتنذر كفّار أمّ القرى ومن حولها عقابا معجّلا إذا اقتضت حكمة ربّك ذلك، وتنذر عقاب اللّه المحقّق يوم الجمع الذي لا ريب فيه، والّذي يكون فيه النّاس فريقين: أمّا أحدهما ففي الجنّة، وأمّا الآخر ففي السّعير.
قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا أنّ الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ذوو إرادات حرّة، وليسوا مجبورين، ولو كانوا مجبورين لجعلهم اللّه أمّة واحدة مؤمنة:
* وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) :
أي: ولو شاء اللّه أن يجعل الناس أمّة واحدة، لا يكون فريق منهم