معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 580
في الجنّة، وفريق آخر منهم في السّعير، لسلبهم إراداتهم الحرّة، ولجعلهم مجبورين، ولو جعلهم مجبورين لجعلهم مجبورين على الإيمان والإسلام والطّاعة؛ لأنّ اللّه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان، ولكانوا حينئذ كالملائكة لا يعصون اللّه ما أمرهم، ولكانوا يفعلون ما يأمرهم اللّه به آنا فآنا.
ولكن شاء اللّه أن يمنح كلّ من وضعه من عباده موضع الامتحان إرادة حرّة، يريد بها لنفسه طريق الحقّ والخير والهدى، أو يريد بها لنفسه طريق الباطل والشّرّ والضّلال، تلبية لرغبات نفسه وأهوائها وشهواتها من الدّنيا العاجلة، ويأتي بعد هذا الامتحان الحساب، وفصل القضاء، يوم القيامة، وتنفيذ الجزاء الملائم لما قدّم كلّ ممتحن في الدّنيا من عمل اختاره بإرادته الحرّة. فاللّه يدخل في رحمته الّتي من آثارها النّعيم المقيم في جنّات الخلود، على وفق مشيئته الّتي لا مجبر لها، بل من كمال صفاته أن يتفضّل على المؤمنين المسلمين من عباده، وأمّا الظّالمون بكفرهم وتمرّدهم على طاعة ربّهم فلهم عذاب أليم في دار العذاب النّار خالدين فيها، وحينئذ لا يكون لهم وليّ ما يرحمهم فيحميهم ويؤويهم، ولا نصير ينصرهم فيدفع عنهم عذاب ربّهم الّذي استحقّوه بالعدل، ولا يظلم اللّه أحدا مثقال ذرّة."من"في:"من وليّ"للتنصيص على استغراق عموم النفي.
قول اللّه تعالى بشأن المشركين الّذين اتّخذوا من دون اللّه ربّهم أربابا وآلهة شركاء للّه في ربوبيّته أو في إلهيّته:
* أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) :
* أَمِ تنحلّ إلى إضراب واستفهام. أي: بل توهّم المشركون أنّ