معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 591
الشّريعة والشّرعة: في كلام العرب، هي مشرعة الماء، أي: مورد الشّاربة الّتي يشرعها النّاس، فيشربون منها ويستقون. وربّما شرّعوها دوابّهم حتّى تشرعها وتشرب منها بأفواهها.
يقال لغة:"شرع الوارد يشرع شرعا"أي: تناول الماء بفيه.
والعرب لا تسمّي مورد الماء شريعة حتّى يكون الماء فيضا لا انقطاع له، ويكون ظاهرا معينا لا يحتاج أن ينضح بالدّلاء.
ويقال:"شرع الأمر يشرعه شرعا"أي: أبانه وأظهره وجعله قريب التّناول للقاصدين. ويقال:"شرع فلان الطّريق"أي: مدّه ومهّده، وجعله صالحا للسّير فيه وميسّرا للسّالكين.
الدّين: الطّاعة والانقياد، ومنه:"دان نفسه"أي: أذلّها واستعبدها وطوّعها. والدّين: العادة والشّأن. والدّين للّه: الطّاعة له، والتّعبّد، وصدق العبوديّة للّه والخضوع والذّلّ له.
ويأتي الدّين بمعنى الجزاء، ومنه"يوم الدّين"وهو يوم الجزاء على أعمال الّذين كانوا في الحياة الدّنيا موضوعين موضع الابتلاء.
ويطلق الدّين على السّلطان والقهر.
وصار الدّين بالاستعمال العامّ يطلق على مطلوب اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا. ويطلق أيضا على الأنظمة والأحكام والقوانين الّتي تجب طاعتها لدى مجموعة من النّاس، ومن هذا الإطلاق قول اللّه تعالى في سورة (يوسف/ 53 نزول) : ... ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ... (76) .
من هذه التّحليلات اللّغويّة والاستعمالات لمادّة"شرع"ولفظة"الدّين"ترجّح لديّ أنّ المراد بعبارة: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ خطابا للنّاس