فهرس الكتاب

الصفحة 7986 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 592

أجمعين بعد بعثة محمّد خاتم المرسلين، عليه أفضل الصّلاة والتّسليم:

حدّد وبيّن وأظهر لكم من مسائل الدّين وقضاياه الكبرى، صراطا واضحا مشرعا مبيّن المعالم والحدود، ممدودا ممهّدا، لا يخفى على ذي إدراك فكري، ويسهل عليه أن يشهد حدوده ومعالمه لظهورها وارتفاعها وانكشافها بأدلّتها البرهانيّة، وملاءمتها لفطر النّفوس الإنسانيّة.

وهذا ينطبق على أصول العقائد الإيمانيّة، والمبادئ الأخلاقيّة، والقواعد الكبرى للمعاملات الحقوقيّة بين النّاس، والقواعد الكبرى لفضائل السّلوك الفردي والجماعيّ في الحياة.

فهذه الأصول والمبادئ والقواعد من الدّين الّذي اصطفاه اللّه للنّاس أجمعين، لا تختلف عليها العقول السّويّة، والنّفوس الزّكيّة، وهي بمثابة الشّريعة من الماء الّذي يكون الماء فيها فيضا لا انقطاع له، ويكون ظاهرا معينا لا يحتاج أن ينضح بالدّلاء، ويشرب الأحياء بأفواههم مباشرة منه.

أمّا أحكام الفروع فتحتاج استنباطات واجتهادات من أهل الاجتهاد، وليست مشرعة ولا ظاهرة ولا قريبة التّناول لكلّ وارد، فهي لا تدخل في عموم عبارة: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى.

* ما وَصَّى: لفظ"وصّى"و"أوصى"بمعنى"أمر"و"أوجب". يقال لغة:"وصّى فلان فلانا بالشّيء وأوصاه به"أي: أمره به، وفرضه عليه، إذا كان ممّا يطلب فعله، ونهاه عنه وحرّمه عليه، إذا كان ممّا يطلب تركه.

والوصيّة: بيان مقرون بنصح مؤكّد بعهد، وليست مجرّد بيان عابر، أو نصح فاتر، بل هي نصح مؤكّد مشدّد بعهد.

يظهر لي أنّ قضايا الدّين الكبرى الّتي شرعها اللّه عزّ وجلّ، لنوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت