معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 593
أبي البشر الثّاني، والّذي جعل ذرّيّته هم الباقين، وبقي ما شرعه اللّه له متّبعا في الرّسالات الّتي جاءت من بعده، كرسالة"هود"عليه السّلام، ورسالة"صالح"عليه السّلام، لم يزد اللّه فيها شيئا.
ولكن جاءت زيادات عليها في رسالة"إبراهيم"عليه السّلام، وقد كان قبل بعثته من شيعة نوح ومتّبعا ما ورثه النّاس من الشّريعة الّتي وصّاه اللّه بها. ثمّ جاءت زيادات عليها في رسالة"موسى"عليه السّلام بحسب تطوّر الفكر الإنسانيّ وقابليّاته. ثمّ جاءت بعض زيادات أخرى في رسالة"عيسى"عليه السّلام. وأخيرا جاءت زيادات في رسالة خاتم المرسلين محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم تلائم ما يحتاجه البشر منها إلى آخر جيل من النّاس في الأرض.
فذكر اللّه عزّ وجلّ ما وصّى به نوحا عليه السّلام لأنّه أبو البشر الثّاني، وما وصّى اللّه به"نوحا"عليه السّلام من قضايا الدّين وقواعده الكبرى لم يزد اللّه عليها شيئا في الرّسالات الّتي جاءت من بعده حتّى رسالة"إبراهيم"عليه السّلام، وذكر عقب ذكر ما وصّى به"نوحا"عليه السّلام ما وصّى به محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم المرسلين، للإشعار بأنّ ما نزل من هذه الوصايا أو سينزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم هو ختام هذا النّوع من وصايا اللّه لعباده من الدّين الّذي اصطفاه لهم، أمّا الزّيادات الّتي جاءت بينهما من الوصايا الّتي أوصى اللّه بها إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام، فهي داخلة في الوصايا لخاتم المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاء ترتيب ذكر هؤلاء الرّسل الخمسة، وما وصّاهم اللّه عزّ وجلّ به، ترتيبا محكما دالّا بإيجاز بديع على ما فتح اللّه به عليّ من فهم لهذه العبارة القرآنيّة.
* .. أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ..: أي: ونوصيكم أيّها النّاس في رسالة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الخاتمة لرسالات ربّكم بأن تقيموا الدّين، ولا تتفرّقوا فيه.