معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 594
* أَقِيمُوا الدِّينَ: أي: الزموا الدّين الّذي أوصى اللّه به في الرّسالة الخاتمة، وواظبوا على أداء ما فرض اللّه فيه، وعلى ترك ما نهى عنه وحرّمه، واجعلوا دينكم (أي: طاعتكم وانقيادكم) مستقيما على ما شرع لكم ربّكم، وهو صراطه المستقيم، ولا تنحرفوا عنه، ولا تجعلوا طريقكم في حياتكم طريقا عوجا.
إقامة الشّيء: تأتي في اللّغة بمعنى جعله مستقيما لا عوج فيه، وتأتي بمعنى مداومته والمواظبة عليه، والثّبات عليه، والتّمسّك به.
وهذه المعاني صالحة لتفسير أَقِيمُوا الدِّينَ بها.
* وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ: أي: واجتمعوا متّحدين في التّمسّك بشرائع دين اللّه لكم، ولا تتفرّقوا فيه، إلى أحزاب وفرق ومذاهب؛ لأنّ ما شرعه اللّه لكم، من أصول الدّين الكبرى في العقائد والأخلاق والمعاملات ومسالك الحياة، أمور واضحة لا تحتمل الخلاف ولا التّفرّق إلى مذاهب وطوائف وفرق.
وفي هذين الأمرين: إقامة الدين وعدم التفرّق فيه تعريض بأتباع رسالات الرّسل السّابقين، إذ لم يلزموا الدّين الّذي أوصاهم اللّه بالتّمسّك به، ولم يكونوا فيه متّحدين، بل تفرّقوا فيه إلى أحزاب وفرق ومذاهب، فخرجوا بتفرّقهم عن صراط اللّه المستقيم الّذي شرعه لهم.
القضيّة الثّانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: .. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ .. (13) :
أي: إنّك يا محمّد تدعو المشركين من أهل بلدك إلى ما وصّى اللّه ربّهم به الرّسل من قبلك، وهي أصول الدّين الكبرى، الّتي لا يشكّ فيها ذو عقل رشيد، فكبر على نفوسهم أن يستجيبوا لما تدعوهم إليه.
أي: لم يدخل إلى نفوسهم حتّى يقبلوه ويستجيبوا له؛ لأنّه كبر عليها وعظم، وشقّ وثقل عليهم تحمّله، لكبره وعظمه وثقله.