معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 597
أي: وتفرّق أتباع الرّسل السّابقين عن الّذي وصّاهم اللّه به من الدّين، وما تفرّقوا فيه إلّا من بعد ما جاءهم العلم الرّبّانيّ بما أنزل اللّه وفهموه ووعوه، وكان سبب تفرّقهم البغي الّذي استشرى داؤه بينهم.
البغي: تجاوز الحدّ المأذون به في السّلوك الإراديّ، والعدول عن الحقّ. ويطلق على الكبر، والظّلم، والفساد في الأرض.
وأصل البغي الحسد، ثمّ سمّي الظّلم بغيا؛ لأنّ الحاسد يظلم المحسود جهده، واتّسعت دلالة البغي حتّى صار يطلق على كلّ تجاوز للحدّ المأذون به في السّلوك الإراديّ، إلى ما هو ضارّ أو مؤذ أو فيه معصية للّه عزّ وجلّ ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
فتفرّقهم عمّا وصّى به اللّه رسلهم عليهم السّلام من الدّين، واتّخاذهم فرقا ومذاهب وطوائف شتّى لم يأذن بها اللّه، قد كان بسبب أنّ البغي بينهم استشرى حتّى فرّق وحدتهم، ومزّق جماعاتهم، واختلفت عن دين اللّه أديانهم.
أي: فلا تتّبعوا سنن من كان قبلكم يا أمّة خاتم المرسلين، وسيّد الأوّلين والآخرين، محمّد بن عبد اللّه النّبيّ الرّسول الأمين، عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم.
القضيّة السّادسة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: ... وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ .. (14) :
أي: ولو لا كلمة من كلمات ربّك المحدّدات قضاءه وقدره، سبقت بتأخير معاقبة الّذين يتفرّقون في الدّين بغيا بينهم، من بعد أن يأتيهم العلم الرّبّانيّ ويفهموه، إلى يوم القيامة، مع تحديد أجل الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وجعله أجلا مسمّى معلوم الوقت له- جلّ جلاله وعظم سلطانه- لقضي بينهم في الحياة الدّنيا، عقب تفرّقهم وكفرهم