فهرس الكتاب

الصفحة 8040 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 646

الصّفة العاشرة: دلّ عليها من النّصّ قول اللّه تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) :

البغي: الاعتداء، والظّلم، في الأنفس أو في الأموال أو نحوهما.

ذكر اللّه عزّ وجلّ هذا الوصف، من أوصاف الّذين لهم أجر عنده يوم الدّين هو خير وأبقى من كلّ متاع الحياة الدّنيا، وفيه إذن لهم بأن ينتصروا لأنفسهم ممّن ظلمهم، في حدود قوله تعالى عقب ذلك:

* وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها: أي: ولو كان المعتدي الباغي كافرا، فجزاء الباغي بسيّئة أن لا يكون زائدا على سيّئته، إلزاما بالعدل الّذي أمر اللّه عزّ وجلّ به.

ورغّب اللّه عزّ وجلّ الّذين أصابهم البغي في أن يعفوا ويصلحوا، ووعدهم بأجر خاصّ زائد على أجر أمثالهم الّذين ينتصرون لأنفسهم، فقال تبارك وتعالى في النّصّ:

* ... فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) :

في هذا البيان ترغيب في العفو عن إساءات المسيئين من المشركين في العهد المكّي للمؤمنين المسلمين؛ لأنّ هذا العفو يخفّف من حدّة الصّراع، ويبيّن لجمهور الكافرين أنّ المسلمين أصحاب فضائل خلقيّة تعلّموها من الإسلام، فهم لا يقابلون السّيّئات بمثلها، بل يعفون ويصفحون، وهذا يمثّل دعاية ودعوة عمليّة للإسلام، مع قدرة المظلوم المسلم أن ينتصر لنفسه، ولكنّه عفا لأنّ دينه يرغّبه في هذا العفو، ويأجره اللّه عزّ وجلّ عليه، وفيه وعيد للظّالمين بالعقاب أخذا من كناية أنّ اللّه لا يحبّهم.

وعبارة وَأَصْلَحَ ذات دلالتين:

الدّلالة الأولى: أنّه بعفوه يصلح نفوس كثير من الّذين لم يستجيبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت