معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 112
وفي هذه العبارة استفهام إنكاريّ، يتضمّن التّعجيب من مماراتهم، ويتضمّن الإنكار عليهم.
وجاء في القراءة الأخرى: [أفتمرونه] .
المماراة: أخذت في الاستعمال معنى المجادلة والمداورة، وتكون المماراة غالبا بغير حقّ.
وأصل المماراة والامتراء أن يمسح الحالب على ضرع الشّاة أو البقرة ونحوهما لاستخراج اللّبن واحتلابه، وفي هذا قدر كبير من الملاينة والملاطفة والمداورة لبلوغ المراد.
والمجادل يحاول أن يستخرج ما عند صاحبه، وهو يمتريه كما يمتري الحالب اللّبن من الضّرع.
والمري: مسح ضرع النّاقة لتّدرّ. يقال لغة: مرى النّاقة مريا، أي:
مسح ضرعها للدّرّة، والاسم من ذلك:"المرية". ومن فعل"مرى"جاءت قراءة: [أفتمرونه] .
وجاءت التعدية بحرف"على"في قوله تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) .
[أفتمرونه على ما يرى] لتضمين الفعل معنى فعل"حرص"أي: أفتمارونه حريصين على إنكار ما يرى، وتكذيبه فيه.
والمعنى: ألا تعجبون من أنفسكم أيها الكافرون المكذبون لرسولنا، فيما يراه رؤية حقّ، فتمارونه مجادلين بالباطل حريصين على تكذيبه في شيء هو يراه رؤية صادقة واضحة لا شكّ عنده فيها، وهذا الشيء الذي يراه ليس من المستحيلات العقليّة، وقد سبقه الأنبياء والرّسل في ذلك.
ما هي الحجّة الّتي يمكن أن يقدّمها لكم غير أنّه رأى، وهو صادق في كلّ ما رأى، وصادق في كلّ ما يخبركم به، وأنتم تعلمون خلق الصّدق فيه.