معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 657
* فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ .. (48) :
أي: فإن لم يستجيبوا فلم يطيعوا بالإيمان والعمل لما دعاهم إليه ربّهم، ودعوتهم أنت يا محمّد إليه بلاغا عن ربّك.
جاء التّعبير عن عدم الاستجابة بالإعراض، الّذي هو وسط بين الإقبال والإدبار؛ لأنّ من لم يستجب لدعوة الدّاعي يعرض عنه بوجهه، ولا يقابله به، وهذا أخفّ حالات عدم الاستجابة، وأشدّ منه الإعراض مع النّأي، فالإدبار، فالتّولّي إدبارا وابتعادا، فالمشاقّة وإظهار العداوة، فإعلان المقاومة بالحرب.
* فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا: أي: فلست مكلّفا أن تحوّلهم من الكفر إلى الإيمان والإسلام، ومن العصيان إلى الطّاعة.
الحفيظ: المطالب بحراسة وحفظ ما هو مأمور بحفظه مطالبة شديدة، ولو بأسلوب الإلزام والقهر، كالحفيظ المطالب بحفظ بستان بكلّ ما فيه، أو حفظ قطيع من الغنم أو البقر، أو نحوهما، إذ هذا الحفيظ مطالب بأغذيتها، وبإيوائها، وحمايتها من العوادي عليها، وردّ شواردها إلى حظائرها، ومعالجة مرضاها، إلى غير ذلك.
إنّ الحفيظ حارس مكره مجبر، ولم يرسل اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليكون على النّاس حفيظا بهذا المعنى، إذ هم ذوو إرادات حرّة، وقد وهبهم اللّه جهاز الإدراك والفهم، والتّحليل والتركيب، وأعطاهم القدرة على العقل العلميّ والعقل الإرادي، فالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليس مجبرا ولا مكرها، وليست وظيفته وظيفة حارس حفيظ.
* .. إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ..: أي: ما عليك يا محمّد إلّا البلاغ، وهو توصيل ما أمرك ربّك بإبلاغه إلى الناس، بالبيان الكلامي، والبيان العمليّ، والقدوة الحسنة.