معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 664
النوع الثالث: دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ:
أي: أو أن يرسل رسولا من الملائكة فيوحي هذا الرّسول إلى البشر المختار لإيصال كلام اللّه عزّ وجلّ إليه، بإذن اللّه وتمكينه، ما يشاء اللّه تباعا أن يوحي به إليه حرفا بحرف، وكلمة بكلمة.
وختم اللّه تعالى الآية بالتّذكير باسمين من أسمائه الحسنى فقال جلّ جلاله:
* إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) :
عليّ: أي: له العلو الّذي لا يدانيه ولا يقاربه علوّ، إذ كلّ ما في الوجود كلّه هو من دونه، وهو مخلوق ومملوك له، فهو عال على كلّ ما خلق، وبائن من كلّ ما خلق في ذاته وفي صفاته.
حكيم: أي: يضع الأشياء في مواضعها الملائمة لها، ويختار أفضل الأشياء وأفضل الاحتمالات وأحسنها في الأمور المختلفة، لما يحقّق أفضل العمل ويحقّق أحسن النّتائج.
واختيار هذين الاسمين هنا، ليشير وصف اللّه بأنّه عليّ إلى أنّ علوّ ذاته وعلوّ صفاته، لا تحتمل المخلوقات في ظروف الوجود الأوّل الّذي هم فيه، إدراك شيء من تجلّيّات أنوارهما، وليس من حكمة اللّه أن يغيّر ما فطر عليه عباده مهما علت منزلة المصطفى منهم في هذا الوجود الأوّل.
وهنا يأتي وصف اللّه بأنّه حكيم متمّما في هذا الموضوع لكونه عليّا، ولاختيار احتمالات أخرى في تكليمه لبشر ما غير احتمال التّكليم المباشر المعروف بين متكلّم وسامع من الحوادث.