فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 87

والفاء في"فكبّر"جيء بها للإشعار بأنّ الجملة واقعة جوابا لشرط محذوف تقديره، ومهما يكن من شيء فكبّر ربّك. أو: ومهما استطعت في كلّ أحوالك فكبّر ربّك.

هذه الآية يمكن اعتبارها عنوانا لكلّ مسائل الرّبوبيّة وقضاياها، ولكلّ صفات الرّبّ الخالق، إنّ تكبير الرّبّ يتضمّن بيان عظيم صفاته وأسمائه الحسنى، ويتضمّن توحيده في ربوبيّته الّذي يستلزم عقلا توحيده في إلهيته جلّ جلاله، ويتضمّن كلّ ما يدخل في إثبات الرّبوبيّة الواحدة للّه عزّ وجلّ من أدلّة، وكلّ ما يدخل في إثبات صفات الرّبّ الخالق وأسمائه الحسنى، من أدلّة وحجج وبراهين، كلّ هذا يمكن اعتباره مشمولا بعنوان: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) .

ومن تكبير الرّبّ ذكره القلبيّ والنّفسيّ بالإجلال والتعظيم، وذكره باللّسان الذي هو إعلان عمّا في القلب من اعتقاد نحو الرّب الخالق جلّ جلاله، ومن تكبيره إعلان عبارة"اللّه أكبر"الّتي شرعت فيما بعد لافتتاح الصّلاة بها، وترديدها عند البدء بالركوع والبدء بالسجود، والبدء بالرفع منه، وشرع إعلانها في الأذان والإقامة، وفي صلاتي العيدين وخطبتي كلّ منهما وفي غير ذلك، فشعار هذا الدّين:"اللّه أكبر"وعبارة الدخول فيه والانتماء إليه: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه.

ونلمح في هذه الآية التّوطئة والتمهيد لكلّ هذا الذي شرع فيه ترديد عبارة:"اللّه أكبر"مع التوجيه للتأمّل والتّدبّر في مضمون هذا الشعار العظيم دواما، فبملاحظة أنّ اللّه جلّ جلاله أكبر من كلّ شيء تتصاغر في نفوس المؤمنين به السماوات والأرض وسائر مخلوقات اللّه، ويتصاغر الطّغاة والجبابرة والعظماء من الإنس والجنّ، وتتضاءل المرعبات والمخيفات والأهوال العظمى، إذ هي خلق من خلقه، ومظاهر لتصاريفه في كونه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت